خواطر ريادية :: التين و الزيتون

مقال للدكتور مهندس / نبيل شلبي
خاطرة تولدت لديّ عندما قرأت إجابة الدكتور عائض القرني على هذا السؤال: ما وجه المناسبة في ذكر التين والزيتون وطور سينين والبلد الأمين؟ بالآية: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، وَطُورِ سِينِينَ، وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} سورة التين- آية 3.
وكانت الإجابة عن هذا السؤال أن كل اسم من هذه الأسماء يشير إلى بلد نبي من أولي العزم الخمسة، فالتين والزيتون بلاد الشام وهي أرض عيسى وأُلحق بالقرب منها نوح وإبراهيم، وطور سينين أرض موسى، والبلد الأمين أرض محمد عليهم جميعًا الصلاة والسلام. تأملت الآية مرة أخرى وتذكرت مطعمًا مميزًا رأيته في كوالا لامبور عاصمة ماليزيا، ومنتشر بنظام الامتياز التجاري Franchise، وكان اسم المطعم التين والزيتون Fig & Olive، واللافت أنه خرج من سنغافورة وليس من بلد عربي بقائمة الطعام أغلب المكونات من التين والزيتون، حتى الخبز يحتوي على نسبة من التين المجفف المطحون. وعندما قابلت مؤسس هذا المشروع، تملكتني الدهشة عندما قرأت اسمه في بطاقة الأعمال التي ناولني إياها. هل تعلمون ما اسم هذا المهندس السنغافوري خريج الهندسة الالكترونية؟. اسمه ذو القرنين حافظ. أيضًا اختار أبواه له اسمًا من القرآن الكريم.
وبالرغم من مقولة ابن خلدون: «إن قوة اللغة في أمة ما، تعني استمرارية هذه الأمة بأخذ دورها بين بقية الأمم، لأن غلبة اللغة بغلبة أهلها ومنزلتها بين اللغات صورة لمنزلة دولتها بين الأمم»، نجد اليوم بعض الشباب (العربي) يختار أسماء (أجنبية) لمشاريعهم الصغيرة، أملًا في جذب الزبائن للشراء من محلاتهم بالرغم من أن المسميات الأجنبية للمشاريع تلك، وإن كانت تبدو براقة ولافتة إلا أنها تعكس بالغالب دلالات بعيدة عن ثقافتنا وهويتنا، والقيم الخاصة لعامة الناس في بلداننا العربية. وإذا تأملنا الأمم الآن في سُلَّم الحضارات سنجد من وصلت إلى قمته، وأخرى أسفل السلم، فالتي بالأسفل تسعى للحصول على منتجات وخدمات الأمم التي بالأعلى وربما بدون دراسة لاحتياجاتها المناسبة لهويتها، لذا يعتمد بعض رواد الأعمال من الشباب على استثمار هذه الظاهرة بوضع مُسميات لمشاريعهم بلغة الحضارة المتفوقة، لتسويق أنفسهم تحت مظلة تلك الحضارة الأجنبية المتقدمة.
هل تعتقدون إذا كان اسم المشروع مُستوحيًا من تراثنا العربي والإسلامي. فإن ذلك يزيد من فرص نجاحه؟. هل مثال «التين والزيتون» كاف للإجابة بالإيجاب على هذا السؤال!. أتذكر مثالًا آخر وهو لأحد رواد الأعمال المبدعين الذي طالمًا ناديته بابني البِكر، حيث كان المبدع فواز اليحي أول شاب تخرج فى أول برنامج تدريبي صممته لبدء المشروعات الصغيرة وانطلق في مشروعه المبتكر «زُخرُف». لاحظوا اسم المشروع هو نفسه اسم سورة بالقرآن الكريم. تميز مشروع «زخرف» بتصنيع وبيع الأثاث الشرقي على الطراز الإسلامي والأندلسي، ويستخدم أفضل الخامات التي يجلبها من مناطق بعيدة وأهمها مدينة دمياط المصرية، حيث خامات الأرابيسك والصدف، وتنتشر فروع «زخرف» الآن في دول الخليج العربي ضمن المانحين للامتياز التجاري. مثال ثالث للإعلامي الشاب أحمد الشقيري الذي اختار اسم «أندلسية» لمقهى ثقافي علمي أدبي، ربما ليُذكَّرنا بمجد المسلمين المفقود في الأندلس.
يقول الأديب مصطفى صادق الرافعي في كتاب وحي القلم: «ما ذلّت لغة شعب إلا ذل، ولا انحطّت إلا كان أمرها في ذهاب وإدبار، ومن هنا يفرض الأجنبي المستعمر لغته فرضًا على الأمة التي يستعمرها، ويقودهم بها، ويشعرهم عظمته فيها». ولطالما أشدد في محاضراتي للشباب على أن يتملكهم الطموح في أن يمتلك فكرة مشروع مميزة ويصبغها بهوية مميزة ويُثابر من أجل نجاحها ليصير من مانحي الامتياز التجاري Franchisors وليس من الممنوحين Franchisees، وأترك لخيال القارئ العنان، حينما يقرر مطعم التين والزيتون أو مشروع زخرف وأندلسية تدشين فروع جديدة بنظام الامتياز التجاري لتنشر هذه الفروع تباعا الهوية والقيم العربية والإسلامية في شتى أرجاء المعمورة.