لماذا خسرت أمريكا حرب الإبتكار أمام النمور الآسيوية

بقلم: د.غادة عامر

في يوم 22 يناير الماضي نشرت شركة بلومبرج تقريرا عن مؤشر بلومبرج للابتكار لعام 2018، وهو التقرير الذي يعمل ترتيبا سنويا لاقتصاديات الابتكار في جميع أنحاء العالم، وللمرة الأولى منذ بداية مؤشر بلومبرج للابتكار، خرجت أمريكا / الولايات المتحدة الأمريكية خارج قائمة أعلى 10 دول في اقتصاد الابتكار، لتحتل المرتبة 11 من أصل 50 دولة، ، بعد أن كانت في المركز التاسع في تقرير 2017 من المؤشر. وقد حافظت كوريا الجنوبية على صدارة المؤشر للسنة الخامسة على التوالي، بينما قفزت سنغافورة إلى الأمام، أمام الدول الأوروبية مثل ألمانيا وسويسرا لتحتل المركز الثالث، وقد ارتفع موقف سنغافورة بمقدار ثلاث درجات مقارنة بعام 2017، ، وجاءت اليابان في المركز السادس، بينما احتفظت إسرائيل بالمرتبة العاشرة للسنة الثانية على التوالي. ووفقا لمؤشر بلومبرج، جاءت المغرب في المركز 50، وإيران في 49 وجنوب أفريقيا في 48. إذ يتم الترتيب السنوي للبلدان من قبل بلومبرج استنادا إلى سبعة معايير، بما في ذلك الإنفاق على البحث والتطوير كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي والإنتاجية ونشاط براءات الاختراع وأعداد الباحثين، بما في ذلك طلاب الدراسات العليا، الذين يعملون في البحث والتطوير لكل مليون شخص، التصنيع والقيمة المضافة، الإنتاجية وكثافة التكنولوجيا العالية. ويخرج هذا التقرير ليؤكد أن الابتكار هو محركا رئيسيا للنمو الاقتصادي، وأن الابتكار هو أحد الأركان الـ 12 للتنافسية العالمية.

لكن السؤال لماذا انخفضت أمريكا / الولايات المتحدة رغم أنها الأولي في العالم من حيث التكنولوجيا الفائقة، ولماذا ظلت دولة مثل كوريا الجنوبية في الصدارة ولماذا ارتفعت دول مثل سنغافورة وإسرائيل واليابان؟ توضح التحليلات التي خرجت بعد نشر المؤشر، إلى أن أمريكا انخفضت إلى المركز الـ 11، بسبب خسارتها نقاط في فئتين هما: كفاءة التعليم (التعليم ما بعد الثانوي أو التعليم العالي) ، والتي تقيس حصة خريجي العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في القوة العاملة، فضلا عن الصناعات ذات القيمة المضافة، وقياس قيمة تصنيع السلع عند مقارنتها بتكلفة المدخلات، وأيضا بسب ما تعانيه أمريكا من انخفاض عدد براءات الاختراع بسبب التكاليف الكبيرة وبسبب التغييرات التي أجرتها الحكومة الامريكية في قانون البراءات وسياساتها على مدى العقد الماضي في البعد عن تسجيل البراءات في قطاعي التكنولوجيا الحيوية والكمبيوتر التي تتفوق فيها، حرصا منها علي الحفاظ علي الأسرار المعرفية لحين إطلاقها كمنتج. ورغم أن شركة جوجل كانت الأمل في دفع المزيد من الإصلاحات في مجال البراءات الأمريكية، إلا أنها لم تستطع لأن مساهمتها في التعليم ونشر العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات بين موظفيها بنفس القدر الذي تفعله في تعليم مهارات أخرى مثل مهارات الذكاء الاصطناعي. أيضا يعزي بعد المجتمع الأمريكي عن تعلم العلوم والهندسة والرياضيات تعلقهم بحياة المشاهير والفنانين والرياضيين، اعتقادا منهم أن هذه المجالات هي الأسهل والأسرع في الربح!، بينما يعزي تقدمهم علي العقول المهاجرة إليهم.

أما بالنسبة لكوريا الجنوبية كانت في الستينيات مجتمعا قائما على الزراعة وواحدة من أفقر الدول في العالم، ولكن بفضل التركيز علي نشر أهمية تعلم العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات والتركيز الحكومي على زيادة الصادرات الصناعية منخفضة التكلفة، وتطور التكتلات الكورية مثل سامسونج، وصناعات التكنولوجيا الفائقة والسيارات والاستثمار الثقيل في البحث والتطوير، أصبحت الآن رائدة عالمية في مجال الابتكار ومن أكبر 11 اقتصاد في العالم. وحسب المؤشر فإن البلد الوحيد الذي ضرب كوريا الجنوبية في فئة البحث والتطوير هي إسرائيل. و حسب آراء المحللين ارتفعت سنغافورة لأنها ركزت تركيزا قويا على تثقيف سكانها خاصة في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، التخصصات العلمية الحديثة، كما أن لديها التزاما ثابتا بتمويل البحث والتطوير والابتكار. أما الصين تقدمت بنقطتين إلى المرتبة التاسعة عشرة، مدعومة بارتفاع نسبة خريجي العلوم والهندسة الجدد في القوى العاملة، وزيادة عدد براءات الاختراع من قبل المبتكرين مثل شركة هواوي تكنولوجي .

و لو نظرنا بعمق سوف نجد أن أكبر السمات المشتركة للولايات المتحدة وكوريا والصين و اليابان وسنغافورة وإسرائيل هي أنهم يقبلون الفشل كجزء من عملية التطوير والبناء، وأن الابتكار يتخلف بل هو معدوم في البلدان التي تؤكد فيها الثقافة على تجنب المخاطر، والتي ينظر فيها إلى البحث والتطوير على أنه مجرد نفقات، وليس استثمارا، و للأسف هذه ما زالت العقلية في بعض الجهات في بلداننا.

هذا المؤشر قراءته بتمعن مهمة جدا والتعلم منه، حتى نرى كيف تتنافس الدول القوية وكيف أنه في المستقبل القريب جدا سيتم تحديد التقدم الاجتماعي والاقتصادي للبلد من خلال قدرته على الابتكار والتكيف بسرعة مع البيئات التكنولوجية الجديدة. وأن تعلم العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات أصبح أمر حتمي لتقوية الدولة اقتصاديا، وأن البحث والتطوير العلمي والتكنولوجي والابتكار وريادة الأعمال والقدرة على تنفيذ نماذج أعمال جديدة هو مكون أساسي جديد لتكوين الدولة القوية، الدولة التي يمكنها أن تفرض وجودها علي العالم كله، فهل قرأ رجال الدولة هذا التقرير أو حتى عرفوا عنه … أتمني ذلك.


من هي الأستاذة الدكتورة / غادة عامر ؟

1- الأستاذ و رئيس قسم الهندسة الكهربية بكلية الهندسة – جامعة بنها.

2- نائب رئيس المؤسسة العربية للعلوم و التكنولوجيا ASTF و عضو لجنة تحكيم للجائزة المعنية بالإبتكار و الإختراع و ريادة الأعمال التي تنظمها المؤسسة العربية .

3- تم إختيارها ضمن أكثر 20 شخصية نسائية تأثيراً في العالم الإسلامي في إستفتاء أجرته مجلة  مسلم سايبنس Moslem Science.

4- تم إختيارها ضمن أقوي 100 إمرأة تأثيراً بالعالم العربي.

5-  إختارتها مجلة أرابيان بيزنس ضمن أقوي الشخصيات تأثيراً في العالم العربي في مجال العلوم.

6- عضو لجنة تحكيم جائزة رولكس العالمية.

مقالات أخري للكاتبة أ د / غادة عامر بالموقع ::

1- معجزة الإقتصاد المعرفي الإسرائيلي.

2- بالإبتكار سيطرت إسرائيل علي أنظمة العالم و موارده .

3- لا تبخسواالإبتكارات الفاشلة حقها !